البلاغة منجم الجمال ، بغيرها يتجرد الجميل من ثلاثة أرباع جماله إن لم يكن من كل جماله، وبها يلاحظ ( بضم الياء) الجميل ويتنامى الإحساس به فتنشرح الصدور ويغادر الوجوه العابسة عبوسها. أقول هذا وأنا أتمتع بملاحظة الفارق البلاغي بين قوله تعالى في سورة الزمر / 38: ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن : الله ).
وقوله تعالى في سورة الزخرف /9: ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن : خلقهن العزيز العليم).
في آية سورة الزمر حذف المسند ( خلقهن) للتعجيل بذكر المسند إليه ( الله) .ولو رددنا المحذوف فسيكون التركيب هكذا : ( ليقولن : خلقهن الله).
ومع أن التوافق واضح في اعتماد الآيتين على بنية الاستفهام ، إلا أن الفعل ( خلقهن) الذي حذف في آية سورة الزمر ، لم يحذف في آية سورة الزخرف .
وفي سورة الزمر جيء بلفظ الجلالة ( الله) في إيجاز معجز..وفي آية سورة الزخرف لم يأت لفظ الجلالة، بلجيء بصفاته المقدسة : ( العزيز العليم) .
السياق هو الذي يفسر لماذا كان السؤال واحدا ، والإجابة عنه بصيغتين مختلفتين..السياق في الزمر يحتاج حسما لذلك حذف الفعل ( خلقهن) اكتفاء بذكر الخالق..أما في آية سورة الزخرف فالأمر يحتاج إلى تقرير وتأكيد ؛ لذلك تكررت مادة خلق مرتين، وجيء بصفتي العزة والعلم تأكيدا لمطلق المقدرة الإلهية .
بصراحة : من لم يتذوق البلاغة يعش أبدا محروما من نصف الإحساس بالجمال.
دكتور ربيع عبد العزيز
أستاذ البلاغة والنقد الأدبي، كلية دار العلوم، جامعة الفيوم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق